لماذا كانت النسوة أول من عرف بقيامة الرب يسوع وبشّر بها؟

كثيراً ما يتم طرح هذا السؤال، هل هي مجرد صدفة أن النسوة هنّ أول من عاين القبر الفارغ وعلم بالقيامة وبشّر بها أو أن ذلك كان مشيئة الرب لهدف محدد أو رسالة محددة يريد أن تصلنا عندما نقرأ الإنجيل؟

أحد الأجوبة التقليدية هو جواب فكاهي ولحدٍ ما غير لائق يقول أن السبب هو كون النساء كثيرات الكلام وهذا سيضمن انتشار الخبر بشكل أكبر. بغض النظر عن القصد الفكاهي لهذا الجواب، لكن شخصياً أعتقد أنّه ليس بعيداً عن الجواب الصحيح، إذ هو يرتبط بما يخص طبيعة النساء، وحتى أكون دقيقاً بدايةً، السبب هو عاطفية المرأة وضعفها في الحسم.

ليست صدفة أن الشيطان حينما أراد إعثار الإنسان حسب قصة خلق الإنسان في الكتاب المقدّس، توجه بالكلام إلى المرأة منفردة دون رجلها، وذلك استغلالاً لضعف المرأة وعاطفيتها، فلو توجهت الحية التي ترمز للشيطان هناك بالكلام للرجل وحده، الذي يستعجل أحياناً كثيرة في أخذ قرارات حاسمة، لربما كان انتهرها فوراً وسحق رأسها، أما المرأة فقد قبلت ببدء الحوار مع الحية وتصرفت بشكل انفرادي، فاستغلت الحية عاطفيتها مغريةً إيّاها بمخالفة نصيحة الرب، وبعدها المرأة أغرت رجلها وقبِل بدوره مخالفة النصيحة الربانية.

وهنا لدينا حادثة القيامة التي تخاطب المشاعر قبل العقل، أو حتى دون العقل، لكن المشاعر هنا هي مشاعر فرح عظيم غامر لا يمكن وصفه، مقابل المشاعر التي أغرى الشيطان فيها حواء وهي مشاعر الأهواء المؤلمة، بدءاً من الكبرياء انتهاءً بالشهوة الرديئة. ومثلما سارعت حواء لإيقاع زوجها بألم الأهواء الرديئة، قائدةً إياه إلى الموت، سارعت النسوة الطاهرات لتبشير تلاميذه محفزاتٍ إياهم برجاء الانتصار على الموت.

وبدل الشيطان الذي كذب على المرأة في قصة خلق الإنسان وقال لها إن الله كان يكذب على الإنسان ولا يريده أن يصير إلهاً، ظهر هنا ملاك وبشر النسوة بحقيقة أن المسيح قد قام، وأيضاً ظهر الرب بنفسه وأخبرهنّ أن الطبيعة البشرية صاعدة لتجلس عن يمين الله الآب.

في الفلسفة العالمية الحقيقة الأكثر رسوخاً هي، الموت. فكل من يبدأ بتعلم الفلسفة والمنطقة سيقرأ هذه المقولة “كل إنسان فان“، وهي تسمى “مقدمة كبرى” أي مسلّمة لا تقبل النقاش. أما في المسيحية، الحقيقة الأكثر رسوخاً، بل ربما الحقيقة الوحيدة هي ما ينقض الموت، أي القيامة. لست أنا من يقول ذلك بل الرب يسوع نفسه، فهو قال حيناً “أنا هو القيامة والحياة” (يوحنا 11 : 25) وفي حين آخر “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14 : 6)، وبالمقارنة المنطقية بين القولين كما في حل المعادلات الرياضية، سنجد أن: القيامة = الحق.

أما المرأة التي كانت في مقدمة النسوة اللاتي ذهبن لقبر يسوع وعلمن بالقيامة وبشرن الرسل بها، فهي حواء الجديدة، أمنا القديسة مريم العذراء. مع أن الكتاب المقدس لم يذكر ذلك صراحة، وقد يكون السبب حرص الإنجيليين على صونها من أي أذىً يمكن أن يلحق بها من قبل اليهود، لكن الرسول متى أوضح أنه توجد امرأة اسمها مريم وأنه لا يريد أن يحدد من هي، فقال “مريم المجدلية ومريم الأخرى” (متى 28 : 1). بجميع الأحوال من معرفتنا لمكانة العذراء مريم لدى ابنها لا يمكن أن نشك لحظة واحدة في أنّها ستكون أول من يتذوق فرح القيامة، هي التي بقت حاضرة حتى آخر لحظات الصلب ثمّ دفن الرب، وشاركته آلام الصليب برؤية ابنها الوحيد يلقى شتى أصناف الألم والعذاب، وكل ذلك محبة بنا ولأجل خلاصنا، متذكرين أنّها من أوّل أعجوبة عملها ابنها كانت تحثه على التضحية بدمه لأجلنا قائلةً “ليس عندهم خمر” (يوحنا 2 : 3)، وعلى النقيض من حواء التي حضّت زوجها على مخالفة نصيحة الرب، أوصتنا أمنا مريم على طاعته بكل شيء “مهما قال لكم فافعلوه” (يوحنا 2 : 5).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.