السؤال التقليدي الذي راح يطاردني من معارفي وأصدقائي منذ بداية الأحداث الأخيرة في سورية، والذي تعمدت عدم الرد عليه، أرغب الآن أن أرد عليه بالتفصيل. ليس لأن هناك كثيرون يهمهم أن يعرفوا ما هو موقفي، ولكن لأنه طالما لدي قلم ( كيبورد ..الخ ) يحق لي أن أعبر عن رأيي.
قبلاً دعونا نوضح بعض المصطلحات حتى نعرف عن من ومن نتكلم.
المعارضة: في كل العالم المعارضة هي فئة تطالب قبل كل شيء بتغيير النظام، تغيير الأشخاص القائمين على الحكم وتغيير نهج وطريقة الحكم، وفي كل البلاد الديمقراطية ( ومعظم دول العالم صارت ديمقراطية! )، هذه المعارضة تتشكل من أحزاب أو أشخاص ليس لديهم إلا تمثيل ضعيف جداً في الحكم أو لا تمثيل إطلاقاً، ويسعون بالتالي بالطرق الديمقراطية إلى تغيير الواقع والحصول على التمثيل الأكبر الممكن، طبعاً من الواضح أن هذه الطريقة غير قابلة للتطبيق عندنا.
أما من لا يطالب بتغيير أو إسقاط النظام بل لديه آراء واقتراحات يتمنى أن يطبقها النظام، يمكن القول عنه أن لديه آراءاً معارِضة، ولكن لا يمكن أن نصفه بشكل كامل بأنه “معارض“. لا أعرف لماذا فقط في سورية كل من طرح رأي معارض ولو 10% لموقف ما في سياسة السلطة يطلق عليه لقب “معارض“.
النظام: في سورية السلطة هي “نظام“، بمعنى أن القرار السياسي في سورية محصور بعدد محدود من الأشخاص، وهذا مكرّس في الدستور وفي الممارسة ( هذا على مستوى أخذ القرار السياسي، أما على المستوى الأدنى، السلطة في سورية إجمالاً ليس لها قدرة مطلقة على فرض تنفيذ ما تريده بسبب التخلف الإداري الكبير في مؤسسات الدولة )، لذلك إن تغيير “النظام” هو قبل أي شيء آخر تغيير لهؤلاء الأشخاص في رأس السلطة بأشخاص آخرين، لا أعرف فرقاً بين “تغيير النظام” و”سقوط النظام” سوى أن السقوط له وقع أكبر!
وقبل أن أستطرد في الكلام، إن هذا يعني أن أي “حوار” بين النظام والمعارضة، هو حصراً حوار بين النظام وبين الذين يطالبون بإسقاط النظام، وبقدر ما يبدو هذا غريباً فإنه من الممكن إيجاد نقاط اتفاق مشتركة كثيرة بين الطرفين، وطبعاً منطقياً من يدير الحوار لا يجوز أن يكون النظام ولا المعارضة بل جهة ثالثة محايدة.
لنعد الآن إلى السؤال: “أنت مع من؟” طالما أن من يسألني هذا السؤال يدرك جيداً أني لست فتاة حالمة هائمة بطول الرئيس ولا ثوروي يعشق فعل الجماهير، فهو يدرك تماماً أني لن أكون “مع” أي جهة بشكل كامل، وإنما أفهم أن هذا السؤال مشفّر قليلاً، وترجمته الفعلية “أنت ضد من؟“، إذ أنه من السهل أن يكره المرء جهة معينة أو شخصاً معيناً بشكل كامل، وأدرك ذلك أكثر عندما يحاول أن يجرني من يسألني بعد أن يفشل في استقراء جواب سريع، إلى الاعتراف بأني ضد الجميع، هذا الموقف السهل والذي مع ذلك لم يعتنقه إلا قليلون، وذلك لأنه سيحرم من اعتنقه من الشعور بنشوة الانتصار، سواء كان الانتصار حقيقياً أم وهمياً.
أما جوابي على السؤال فهو وبوضوح “أنا لست ضد أحد” وبالتالي “أنا مع الجميع!“، نعم إذ أني مقتنع وبنتيجة إيماني ومعتقداتي بأن كل شخص وكل شيء في العالم في الأصل صالح، وكل ما عدا ذلك مجرد بضعة أخطاء، ولا يحق لي التفكير بغير ذلك إلا إذا اعتبرت أنه ليس لدي شخصياً أية أخطاء.
الأخطاء يمكن قسمتها إلى نوعين، هفواتٍ وخطايا، وطالما نحن نتحدث عن أخطاء فلا نقصد بها الأفعال التي هي استجابة اضطرارية لضغوط، فالخطأ يتطلب وجود الحرية.
الهفوات منها الفشل أو سوء الإدارة، إعلامية أو ميدانية ..الخ، أما الخطايا فهي الخطايا، فالكذب في أكثر الأحيان خطيئة، واستخدام القوة المفرطة بدون داعٍ دائماً خطيئة. الهفوة تسبب الخسارة للطرف الذي يرتكبها، أما الخطيئة فتتسبب بخسارة للوطن، فالكذب لن يوصل إلى الحق، والعنف لن يوصل إلى الديمقراطية.
كأني بهذا أقول أن كل خطأ يرتكبه كل طرف سيتسبب له بخسارة، نعم بل أكثر من ذلك أنا مقتنع بأن نقاط قوة كل طرف تكمن في أخطاء الطرف الآخر لا غير، وحسبُ الذي يريد الانتصار أن يتوقف عن ارتكاب الأخطاء.
من ارتكب أخطاءاً أكثر، النظام أم المعارضة؟ سؤال تصعب الإجابة عليه، ولكن بالتأكيد كل منهما ارتكب ومازال يرتكب الكثير من الأخطاء، هفواتٍ وخطايا.
كل من لم ير أن الزمن تغير والمجتمع السوري تغير، وأن درجة الوعي والثقافة ارتفعت خصوصاً لدى الشباب، ويعتقد أنه من الممكن الضحك على الناس أو إخضاعهم بالقوة يرتكب هفوة كبيرة، وكل من يعتقد أن وجهته الخارج ومصلحته تكمن في كمية الدعم الخارجي يرتكب خطيئة كبيرة. كل من يتجاهل وجود وسائل الإعلام الحديثة، والتي عمادها الموبايل والإنترنت ويعتقد أن لا أحد يراه يرتكب هفوة، وكل من يعتقد أنه يمكن نشر الذعر أو التحريض بين الناس عن طريق الإشاعات يرتكب خطيئة.
وقائمة الهفوات والخطايا تطول والجدل حولها يطول، إنّما كل قادر على استبيان أخطائه، هفواته وخطاياه، عن طريق الاستماع لآخرين، فالإنسان يبرع أكثر في اكتشاف أخطاء غيره مما يبرع في اكتشاف أخطائه.
أمّا أنا فلم يبق لي إلا رجاء واحد، توقفوا عن ارتكاب الأخطاء، وخصوصاً … الخطايا.
اذا أنا مع الوطن
مو ضوع رائع مشكووووووووووووووووووووووووووور